علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

240

ثمرات الأوراق

فرحا ، وارتفعت الأصوات بالأدعية الوافية ، وأردنا أن نكتم دخولنا البلد وكيف تكتمنا وهي ذات عين صافية ! ثم نزلنا بالخيام في مرجتها الخضراء ، تحت قلعتها الغرّاء ، وهي في معارج السحب صاعدة ، سائدة في الجوّ كأنها في البحر على عمود الصبح قاعدة ، مضيئة بين عقود الأنجم كأنّ درّتها اليتيمة ، جالسة على سرير الخيل تنادم الفرقدين كأنها جذيمة . فنظر في المصالح ، وميّز بالعدل الصالح والطالح . وعجّل من عجلون المسير فلم ينظر الغادي الذي هو رائح ، وأشرفنا على بركات القصد المنجبة ، واقتحمنا إلى الغور عقبة سهّلها السعد فلا تقل : ما أدراك ما العقبة ! واستفتحنا المزارات الّتي نوينا قصدها ، وطوينا غورها ونجدها ، بمشهد صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أبو عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه ، فترامينا إليه بالعزم الفاخر ، وزار أمين هذه الأمة الأول أمينها الآخر ، وأجرى أمر مشهده على سنن الصلاح ، ونظر في مرتبته بعين العدل وأعانه بيد السماح ، وجعل والي الناحية عبيدة وما جعل لشهادة المعروف من جراح . وسلكنا جانب الغور الممطور فأعجبنا ريّا ورواء ، وكنا نظن الماء فيه غورا فوجدنا الغور ماء ، وخضنا في حديثه وخاضت الخيل ، وتركنا عقباته كالمعلّقة وملنا إلى السهل كلّ الميل ، وتلقّينا كلّ ذي قصد يبشّر بالصّباح ولم نقل أهلك واللّيل . وما زلنا كذلك لا نمرّ بواد إلا أثنت مع الابتهال بطول العمر رماله وأرامله ، ولا بناد إلا قامت للدعاء رجاله وأطفاله وحلائله ، ولا بولاية إلا أرتج غدرها ، ولا ببلدة إلا زها على الّتي بين السماكين بدرها ، ولا ماش إلا حمله المعروف ، ولا عابر سبيل إلا آنسه من النّعماء صنوف ، ولا جائز إلا شملته جائزة ، ولا منقطع بمفازة إلّا وعقباه فائزة ، ولا ظبية من ظبيات دمشق إلا والمكارم تواليها وتوليها ، وتوجدها في القفار كما توجدها أولياء اللّه فيها . إلى أن قدمنا القدس الشريف نحن والغمام ، وسبقتنا إليه طرّة الصّبح تحت أذيال الظلام ، وخفّ بنا جناح السوق والشّوق حين دنت الخيام من الخيام ، وألقينا بباب حرمه عصا السفر ، وألقت هناك رحالها ركائب المطر ، وزرنا باب الرحمة من الأرض وزارنا باب الرحمة من السماء ، وصرنا من الصالحين عند زيارة الأقصى فمشينا على الماء ، وحمدنا الأوطان والأوطار ، واستمرت السّحب حتى عادت الصخرة كحجر موسى تتفجّر منها الأنهار ، وأقمنا في بيوت أذن اللّه أن يرفع شأنها ، ويسبّح فيها بالغدوّ والآصال سكانها . وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا ، وغمض عينه على الرفاق